Commentaires
الانترنت و القانون الدولي الخاص
محمد لمسلك
باحث بكلية الحقوق
سلا
لقد دخلت البشرية في الآونة الأخيرة مرحلة جديدة من التطور الفكري و المعرفي و الثقافي غير المسبوق ، فإذا كانت علاقات الإنسان الأول بالآخرين قد بدأت تتسق و تتحدد شفاهة باللغة ،ثم كانت الكتابة و ما عرف بعصر ''جوتنبرج'' ، فإننا اليوم دخلنا المجتمع التقني بفضل التقدم التكنولوجي الهائل الذي لم يشهد التاريخ مثيلا له في تقنيات المعلومات و الاتصال.
هذا التلاقي الخصب لتقنيات المعلومات و الإعلام والاتصال أدى إلى إحداث ثورة حقيقية عرفت بالثورة المعلوماتيةinformation révolution أو ثورة الاتصال الفائقة السرعة ، أو '' أوتستراد'' المعلوماتية
information super highway و على الإثر بدأ الحديث عن مجتمع المعلوماتية information society و الإنسان المعلوماتي homo information و الواقع التخيلي virtual reality و غيرها من المصطلحات الحديثة[1].
و بفضل ثورة الاتصالات و المعلومات أو الثورة العلمية التكنولوجية التي يتسم عمودها بالحواسيب و الشبكات الإلكترونية و الأنظمة الرقمية و سواها من التقنيات العالية و الوسائط المركبة ، أصبحت أرضنا قرية كونية صغيرة تسبح في فضاء إلكتروني تضيق معه الأمكنة و تتقلص المسافات و تختزل و تطوى و لم يعد البشر أسرى لمكانهم فوق كوكب الأرض liberation from place فكل إنسان قريب من أخيه الإنسان الآخر الذي يستطيع محادثته و الدنو منه حتى لو كان في أقاصي الأرض و مغاربها.
و كما هو معلوم ، فان شبكت الإنترنت جاءت على يد المؤسسة العسكرية الأمريكية و التي كانت جزءا من الدومين الخاصprivate domain لتتحول بعد ذلك إلى الدومين العام public domain ، و التي هي عبارة عن موسوعة حضارية عالمية تختزن نتاج البشرية الفكري و تمد شرايين المعرفة في كل أرجاء المعمور .
و مع مجيء الإنترنت ، أصبح قانون الفضاء الإلكتروني cyberspace Law يحتل مكانة بارزة في القانون المعاصر ، كما يشهد تطورات متسارعة من الصعوبة بمكان تتبعها أو اللحاق بها ، و يتضمن هذا القانون في جنباته موضوعات قانونية عدة ، لعل أهمها جرائم الفضاء الالكتروني cyberspace crimes ، و التجارة الالكترونية.electronic commerce ، و الملكية الفكريةintellectual property ، و التحكيم على الخط arbitration-online[2] ، و الضرائب taxation ، و القانون الواجب التطبيق Applicable Law ، و الاختصاص القضائي juridiction و الخصوصية privacy و حل المنازعات dispute resolution ...الخ.
و هكذا أصبحت هذه الشبكة تلعب دورا أساسيا في المجال الاقتصادي و الثقافي و الاجتماعي ، بل و قد أصبحت ضرورة لا يمكن تجاوزها .
لكن و رغم الايجابيات العديدة التي توفرها ، فان مستعمل هذه الشبكة قد يواجه مشاكل جد معقدة ، متعلقة أساسا بوجود نظام قانوني يصعب ضبطه ، و معيقات لها ارتباط بمفهوم سيادة الدولة ، و هو ما يجعله يكرر دائما نفس الأسئلة القانونية مثل :
- أي نظام قانوني مختص بالنظر في المنازعات المتعلقة بما تحتويه المواقع الالكترونية ؟
- والى من يعود الاختصاص القضائي في المنازعات المتعلقة باستخدام هذه الشبكة ؟
- و أي قوة إلزامية ستكون لحكم متعلق بمحتوى موقع الكتروني ، أو بمعاملة وقعت عبر الإنترنت ، صدر عن هيئة قضائية في دولة مختلفة عن التي سيتم تنفيذ هذا الحكم فيها ؟
من خلال هذه الأسئلة القانونية ، و المرتبطة أساسا بالاختصاص القضائي الدولي و تنازع القوانين و تنفيذ الأحكام ، تبرز لنا أهمية دراسة علاقة الإنترنت بالقانون الدولي الخاص .
فالى أي حد يمكن لمناهج القانون الدولي الخاص معالجة المشاكل المثارة على مستوى الانترنت؟ و ما هو السبيل لتجاوز هذه الاشكالات .
و عليه فاننا سنتناول هذا الموضوع من خلال مبحثين:
المبحث الاول: الانترنت و استبعاد مناهج القانون الدولي الخاص
المبحث التاني : الانترنت بين تطبيق قواعد قانون موحد او اعتماد مناهج القانون الدولي الخاص
المبحث الأول : الانترنت و استبعاد مناهج القانون الدولي الخاص
تهدف قواعد القانون الدولي الخاص كما هو معلوم إلى التنسيق بين أنظمة قانونية متعارضة ، و خلق نوع من التعايش بينها . و إخضاع الروابط الدولية الخاصة لنظام سابق التحديد.
و تعتبر دولية بمقتضى هذه القواعد ن كل علاقة قانونية لها ارتباط بعدة أنظمة قانونية وطنية . و تعمل قواعد التنازع على إسناد هذه الرابطة إلى النظام القانوني الذي ترتبط به أكثر ، مع مراعاة اعتبارات العدالة وواجب احترام حقوق الأشخاص و مصلحة الدول.
و قد وضع أدوات التحليل التنازعي الذي هو عماد القانون الدولي الخاص الحالي ، الفقيه الألماني الشهير ''سافينيSAVIGNNY'' في القرن التاسع عشر . واشترط لإمكانية تطبيقها انتماء الأنظمة المتنازعة لنفس الطائفة القانونية، أي وجود تشارك وتكافؤ قانوني بينها و انتماءها لنفس الحضارة.
و منهجية التحليل التنازعي تفترض معاملة الأنظمة المتنافسة على قدم المساواة و إعطاءها نفس فرص التطبيق ، ويتم تحديد القانون المطبق بناء على أسس موضوعية و عن طريق تحليل المواد و الأوضاع القانونية المتنازع حولها لاستجلاء الإسناد الأكثر ملائمة لها.
و من أسس التحليل التنازعي أيضا انقسام العالم إلى دول في شكل وحدات متعددة تفصل بينها حدود سياسية تحدد المجال الإقليمي لتطبيق كل نظام قانوني.
لكن السؤال المهم الذي يجب طرحه في هذا الإطار هو هل ستتماشى قواعد القانون الدولي الخاص التي وضعت في القرن التاسع عشر مع خصائص الإنترنت التي تتجاوز كل الحدود ، و تحول العالم إلى قرية كونية واحدة دون أي اعتبار للسيادة الوطنية ، حيث ضربت غالبية القواعد التي انبنى عليها القانون الدولي الخاص عرض الحائط.
و عليه فاننا سنحاول الإجابة على هذا السؤال من خلال مطلبين:
المطلب الاول:الانترنت تتنافى و سبب وجود القانون الدولي الخاص
المطلب التاني: قصور مناهج القانون الدولي الخاص عن ضبط الانترنت
المطلب الاول:الانترنت تتنافى و سبب وجود القانون الدولي الخاص
المجتمع الدولي يتكون من وحدات سياسية تفصل بينها حدود إقليمية او جغرافية هي الدول, و كل دولة مستقلة عن الأخرى , ولها نظامها القانوني الخاص, و تشريعاتها و محاكمها, و أجهزتها الإدارية التي تنهض بوظائفها المختلفة.[3]
و تنظر كل دولة إلى العلاقات و الروابط التي تتم بين الأشخاص , و تصنفها بأنها وطنية او أجنبية, و بالتالي لا تحتاج او تحتاج الى قواعد القانون الدولي الخاص, انطلاقا من نشاتها او نفاذها داخل او خارج حدودها, فالعلاقة او الرابطة القانونية تكون أجنبية اذا تمت داخل الحدود السياسية لدولة اخرى, او كان محلها او موضوعها موجودا في إقليم دولة أجنبية, او حدث الفعل الضار في ذلك الإقليم.
و ظاهرة الحدود السياسية التي تفصل بين مختلف الدول هي التي تقف كذلك وراء وجود فكرة الجنسية اللازمة لتحديد شعب الدولة و تمييزه عن شعوب الدول الأخرى, كما تقف وراء التمييز في المعاملة و في تمتع بالحقوق و الواجبات بين الوطني و الأجنبي, كما تؤثر على أحكام الموطن الدولي,و إمكانية إقامة و توطن الشخص خارج دولته, وكل تلك المسائل من صميم موضوعات القانون الدولي الخاص.
ظاهرة الحدود السياسية كذلك ليس لها وجود في التعامل عبر شبكة المعلومات الدولية الانترنت, فنظام تلك الشبكة يغض النظر عن الحدود السياسية او الجغرافية, و أضحى المكان و الأقاليم الجغرافي و القواعد الوطنية غير ذي أهمية.[4]
وقد نشا مع وجود و نمو شبكة المعلومات الدولية الانترنت مجتمع فضائي مصطنع مقسم الى شبكات او مناطق إلكترونية اكثر منه إلى دول او أقاليم كما هو الحال في المجتمع الحقيقي الواقعي القائم على اقاليم برية ومائية, و هو عالم يعج بأجهزة الحاسب الآلي و الكوابل التليفونية و الألياف الضوئية و البرامج و هذا الفضاء الافتراضي متصل و يبدوا و كأنه يعلوا الأقاليم الجغرافية لكل الدول.
ان قواعد واحكام القانون الدولي الخاص المتعلقة بتحديد القانون الواجب التطبيق, او المحكمة المختصة دوليا و التي تتكلم عن قانون او محكمة المكان الذي يوجد فيه محل العقد,او الذي يتوطن فيه البائع او المستهلك او يقدم فيه المدين الأداء المميز, او الذي توجد معه اكثر الروابط وثوقا...تضحى قواعد غير ذات مفعول و يتعذر اعمالها.
ان مناهج القانون الدولي الخاص التي تقوم على مرتكزات مكانية و جغرافية لا تتلاءم مع طبيعة المعاملات و العمليات التي تتم عبر شبكة الانترنت.
- المطلب الثاني : قصور مناهج القانون الدولي الخاص عن ضبط الانترنت
لا يستغرب أحد من قصور مناهج القانون الدولي الخاص عن ضبط وتنظيم محتويات الإنترنت ، وكذلك المعاملات التي تتم عبر هذه الشبكة ، حيث يبدو جليا فشل السيطرة الإقليمية على البيانات و الأرقام المتداولة ، وبالتالي عدم ملائمة ضوابط الإسناد المعروفة في القانون الدولي الخاص ، و التي تقود إلى تطبيق قواعد قانونية داخلية على عمليات بطبيعتها عابرة للحدود ، أو كما يقال عمليات كونية كوكبية opérations planétaires ، وهي ضوابط لم توضع إلا من أجل عالم ماديmonde matériel ، في حين أن المعاملات عبر شبكة الإنترنت تقود إلى عالم افتراضي قوامه الأرقام و الكيانات المنطقيةles logicielles .[5]
اعمال المحكم لمناهج القانون الدولي الخاص
محمد لمسلك
باحث بكلية الحقوق
سلا
مما لا شك فيه أن العلاقات التجارية الدولية تتسع بتواتر كبير تخدمها في ذلك التطورات التي عرفها النصف الثاني من القرن العشرين و بروز حتمية الانفتاح و العولمة, و لا يخفى أن الأنشطة التجارية تتعرض إلى العديد من المنازعات و الأمر الطبيعي أن يتم البت في هذه المنازعات من طرف القضاء الوطني, لكن و نظرا لأهمية العامل الزمني في المعاملات التجارية إضافة إلى تشابك العلاقات التجارية الدولية, أدت بالمتعاملين في مجال التجارة الدولية إلى البحث عن وسائل بديلة لحل نزاعاتهم بعيدا عن القضاء.
وقد أتبث الواقع أن البديل الملائم هو التحكيم الذي عمل و بعيدا عن قواعد القانون الوطنية على ترسيخ مجموعة من الحلول التي تتجاوب و خصوصيات مشكلات التجارة الدولية و عقودها, وهو قادر على تطوير تلك الحلول بما يتماشى واحتياجات المعاملات التجارية الدولية و وثباتها السريعة و المتلاحقة.
و معلوم أن مناهج القانون الدولي الخاص تختلف فيما بينها, فهناك المنهج التنازعي الذي يقوم على مجموعة من الآليات: التكييف- الإحالة- إلزامية قاعدة الإسناد- البحث عن القانون الأجنبي- الدفع بالنظام العام- الدفع بالغش. يؤدي إعمالها إلى فض تنازع القوانين بين الدول حيث تشير إلى انسب القوانين لحكم العلاقة القانونية المطروحة. و لتجاوز قصور قاعدة الإسناد شهد القرن العشرين ملامح منهج جديد في القانون الدولي الخاص هو منهج القواعد الموضوعية, قوامه إخضاع المعاملات الدولية مباشرة لنظام دولي موحد مستقل عن النظم الوطنية, تشكل معطياته عادات و أعراف التجارة الدولية و المبادئ العامة للقانون و غيرها...
من جهة أخرى أدى تدخل الدولة في مجال النشاط الاجتماعي و الاقتصادي للأفراد إلى الإعمال الأحادي لبعض القواعد الداخلية الآمرة التي تنتمي لقانون القاضي أو لقانون أجنبي و تتصدى لتنظيم العلاقات الاجتماعية و الاقتصادية و تحد من حقوق و حريات الأفراد بالقدر اللازم لحماية المصلحة العامة, و هذه القواعد درج الفقه على تسميتها بالقواعد ذات التطبيق الضروري أو قواعد البوليس, بوصفها تعبيرا عن الفكر الاجتماعي الذي يسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية و حماية الطرف الضعيف.
و في إطار البحث عن القانون الواجب التطبيق لتسوية منازعات التجارة الدولية, يختلف إعمال المحكم لمناهج القانون الدولي الخاص عن إعمال القاضي لتلك المناهج. فإذا كان هذا الأخير عادة ما يعمل المنهج التنازعي[1] باعتباره المنهج التقليدي لفض المنازعات. فمثلا عندما يكيف القاضي الرابطة محل النزاع المطروح عليه و يتبين أنها رابطة عقدية تتسم بالطابع الدولي, فهو يسندها إلى القانون الذي تشير به قواعد تنازع القوانين في قانونه و هو عادة قانون الإرادة في هذا الفرض, فان لم يكن المتعاقدين قد حددوا القانون الواجب التطبيق, فهو يقوم في هذه الحالة بالتركيز الموضوعي للرابطة العقدية للكشف عن القانون الذي سيحكمها أو يلجا إلى ضوابط الإسناد الاحتياطية المقررة في قانونه و التي تحدد القانون المختص بحكم العقد الدولي عند سكوت الإرادة عن هذا التحديد. هذا مع عدم إغفال أولوية تطبيق قواعد البوليس إن هي أرادت الانطباق على النازلة المطروحة
بالمقابل نجد أن أحكام المحكمين عادة ما تعتنق النظرية الشخصية بما تؤدي إليه من تحرر العقد الدولي من سلطان القوانين الداخلية استجابة لظروف التجارة الدولية[2].
وتحرير العقد الدولي من أحكام القوانين الداخلية أمام قضاء التحكيم لم يعد يستند إلى مطلق سلطان الإرادة و إنما على حقها في هذا الصدد المستمد من قاعدة مادية من قواعد القانون الدولي الخاص التي استقر عليها العمل أمام المحكمين,وهي قاعدة تبيح لإرادة المتعاقدين سلخ العقد الدولي عن القوانين الداخلية وان ضلت الرابطة العقدية خاضعة لأحكام القانون التجاري بين الشعوب lex mercatoria.
على أن صحة هذا النظر لا تتأتى إلا لو سلمنا بتمتع القانون التجاري بين الشعوب بالقوة الملزمة التي تجيز اعتباره قانونا للعقد وهو ما يثير التساؤل عن دور التحكيم في خلق قواعد هذا القانون و استقرار أحكامه, و كذلك عن أساس تطبيق القواعد الموضوعية أمام المحكمين, و ما إذا كان هذا التطبيق يتم على نحو مباشر أو من خلال منهج التنازع.
ومع ذلك فان تمتع العادات و الأعراف الدولية بالقوة الملزمة لا يعني أن القانون التجاري الدولي قد اصبح نظاما قانونيا متكاملا, فهو قانون وليد تقتصر أحكامه ذات النشأة التلقائية و ذات الطابع الفني على مواجهة بعض المساءل التي تثار بصدد جانب من العلاقات المهنية و التجارية دون أن تقوى على تقديم حلول شاملة لكافة اوجه المنازعات التي يمكن أن تثور بين المتعاملين في الأسواق العابر للحدود.
ومن هنا بقيت الحاجة إلى منهج التنازع لسد النقص الذي يشوب قواعد القانون التجاري الدولي, وهو ما يضطر المحكمين أحيانا إلى إسناد العقد لقانون دولة معينة , خاصة عند سكوت المتعاقدين عن اختيار مثل هذا القانون , و يستمد المحكمون عادة حلولهم الخاصة بتنازع القوانين من المبادئ العامة في القانون الدولي الخاص, و هي المبادئ التي أصبحت على هذا النحو جزءا مكملا للقانون التجاري الدولي إلى جانب ما ينطوي عليه هذا القانون أساسا من أحكام موضوعية.
و جدير بالذكر أن المحكمون فد يضطرون إلى مراعاة قواعد البوليس و القواعد ذات التطبيق الضروري في قانون الدولة التي يتوقعون تنفيذ الحكم في إقليمها, و التي تريد الانطباق على الرابطة العقدية محل النزاع, إعمالا للمنهج الأحادي في القانون الدولي الخاص و كفالة للفاعلية المتطلبة لأحكام المحكمين.
Trackbacks
Aucun trackback pour cet article

بسم الله الرحمان الرحيم
لقد دخلت البشرية في الآونة الأخيرة مرحلة جديدة من التطور الفكري و المعرفي و الثقافي غير المسبوق ، فإذا كانت علاقات الإنسان الأول بالآخرين قد بدأت تتسق و تتحدد شفاهة باللغة ،ثم كانت الكتابة و ما عرف بعصر ''جوتنبرج'' ، فإننا اليوم دخلنا المجتمع التقني بفضل التقدم التكنولوجي الهائل الذي لم يشهد التاريخ مثيلا له في تقنيات المعلومات و الاتصال.
هذا التلاقي الخصب لتقنيات المعلومات و الإعلام والاتصال أدى إلى إحداث ثورة حقيقية عرفت بالثورة المعلوماتيةinformation révolution أو ثورة الاتصال الفائقة السرعة ، أو '' أوتستراد'' المعلوماتية
information super highway و على الإثر بدأ الحديث عن مجتمع المعلوماتية information society و الإنسان المعلوماتي homo information و الواقع التخيلي virtual reality و غيرها من المصطلحات الحديثة[1].
و بفضل ثورة الاتصالات و المعلومات أو الثورة العلمية التكنولوجية التي يتسم عمودها بالحواسيب و الشبكات الإلكترونية و الأنظمة الرقمية و سواها من التقنيات العالية و الوسائط المركبة ، أصبحت أرضنا قرية كونية صغيرة تسبح في فضاء إلكتروني تضيق معه الأمكنة و تتقلص المسافات و تختزل و تطوى و لم يعد البشر أسرى لمكانهم فوق كوكب الأرض liberation from place فكل إنسان قريب من أخيه الإنسان الآخر الذي يستطيع محادثته و الدنو منه حتى لو كان في أقاصي الأرض و مغاربها.
و كما هو معلوم ، فان شبكت الإنترنت جاءت على يد المؤسسة العسكرية الأمريكية و التي كانت جزءا من الدومين الخاصprivate domain لتتحول بعد ذلك إلى الدومين العام public domain ، و التي هي عبارة عن موسوعة حضارية عالمية تختزن نتاج البشرية الفكري و تمد شرايين المعرفة في كل أرجاء المعمور .
و مع مجيء الإنترنت ، أصبح قانون الفضاء الإلكتروني cyberspace Law يحتل مكانة بارزة في القانون المعاصر ، كما يشهد تطورات متسارعة من الصعوبة بمكان تتبعها أو اللحاق بها ، و يتضمن هذا القانون في جنباته موضوعات قانونية عدة ، لعل أهمها جرائم الفضاء الالكتروني cyberspace crimes ، و التجارة الالكترونية.electronic commerce ، و الملكية الفكريةintellectual property ، و التحكيم على الخط arbitration-online[2] ، و الضرائب taxation ، و القانون الواجب التطبيق Applicable Law ، و الاختصاص القضائي juridiction و الخصوصية privacy و حل المنازعات dispute resolution ...الخ.
و هكذا أصبحت هذه الشبكة تلعب دورا أساسيا في المجال الاقتصادي و الثقافي و الاجتماعي ، بل و قد أصبحت ضرورة لا يمكن تجاوزها .
لكن و رغم الايجابيات العديدة التي توفرها ، فان مستعمل هذه الشبكة قد يواجه مشاكل جد معقدة ، متعلقة أساسا بوجود نظام قانوني يصعب ضبطه ، و معيقات لها ارتباط بمفهوم سيادة الدولة ، و هو ما يجعله يكرر دائما نفس الأسئلة القانونية مثل :
- أي نظام قانوني مختص بالنظر في المنازعات المتعلقة بما تحتويه المواقع الالكترونية ؟
- والى من يعود الاختصاص القضائي في المنازعات المتعلقة باستخدام هذه الشبكة ؟
- و أي قوة إلزامية ستكون لحكم متعلق بمحتوى موقع الكتروني ، أو بمعاملة وقعت عبر الإنترنت ، صدر عن هيئة قضائية في دولة مختلفة عن التي سيتم تنفيذ هذا الحكم فيها ؟
من خلال هذه الأسئلة القانونية ، و المرتبطة أساسا بالاختصاص القضائي الدولي و تنازع القوانين و تنفيذ الأحكام ، تبرز لنا أهمية دراسة علاقة الإنترنت بالقانون الدولي الخاص .
فالى أي حد يمكن لمناهج القانون الدولي الخاص معالجة المشاكل المثارة على مستوى الانترنت؟ و ما هو السبيل لتجاوز هذه الاشكالات .
و عليه فاننا سنتناول هذا الموضوع من خلال مبحثين:
المبحث الاول: الانترنت و استبعاد مناهج القانون الدولي الخاص
المبحث التاني : الانترنت بين تطبيق قواعد قانون موحد او اعتماد مناهج القانون الدولي الخاص
المبحث الأول : الانترنت و استبعاد مناهج القانون الدولي الخاص
تهدف قواعد القانون الدولي الخاص كما هو معلوم إلى التنسيق بين أنظمة قانونية متعارضة ، و خلق نوع من التعايش بينها . و إخضاع الروابط الدولية الخاصة لنظام سابق التحديد.
و تعتبر دولية بمقتضى هذه القواعد ن كل علاقة قانونية لها ارتباط بعدة أنظمة قانونية وطنية . و تعمل قواعد التنازع على إسناد هذه الرابطة إلى النظام القانوني الذي ترتبط به أكثر ، مع مراعاة اعتبارات العدالة وواجب احترام حقوق الأشخاص و مصلحة الدول.
و قد وضع أدوات التحليل التنازعي الذي هو عماد القانون الدولي الخاص الحالي ، الفقيه الألماني الشهير ''سافينيSAVIGNNY'' في القرن التاسع عشر . واشترط لإمكانية تطبيقها انتماء الأنظمة المتنازعة لنفس الطائفة القانونية، أي وجود تشارك وتكافؤ قانوني بينها و انتماءها لنفس الحضارة.
و منهجية التحليل التنازعي تفترض معاملة الأنظمة المتنافسة على قدم المساواة و إعطاءها نفس فرص التطبيق ، ويتم تحديد القانون المطبق بناء على أسس موضوعية و عن طريق تحليل المواد و الأوضاع القانونية المتنازع حولها لاستجلاء الإسناد الأكثر ملائمة لها.
و من أسس التحليل التنازعي أيضا انقسام العالم إلى دول في شكل وحدات متعددة تفصل بينها حدود سياسية تحدد المجال الإقليمي لتطبيق كل نظام قانوني.
لكن السؤال المهم الذي يجب طرحه في هذا الإطار هو هل ستتماشى قواعد القانون الدولي الخاص التي وضعت في القرن التاسع عشر مع خصائص الإنترنت التي تتجاوز كل الحدود ، و تحول العالم إلى قرية كونية واحدة دون أي اعتبار للسيادة الوطنية ، حيث ضربت غالبية القواعد التي انبنى عليها القانون الدولي الخاص عرض الحائط.
و عليه فاننا سنحاول الإجابة على هذا السؤال من خلال مطلبين:
المطلب الاول:الانترنت تتنافى و سبب وجود القانون الدولي الخاص
المطلب التاني: قصور مناهج القانون الدولي الخاص عن ضبط الانترنت
المطلب الاول:الانترنت تتنافى و سبب وجود القانون الدولي الخاص
المجتمع الدولي يتكون من وحدات سياسية تفصل بينها حدود إقليمية او جغرافية هي الدول, و كل دولة مستقلة عن الأخرى , ولها نظامها القانوني الخاص, و تشريعاتها و محاكمها, و أجهزتها الإدارية التي تنهض بوظائفها المختلفة.[3]
و تنظر كل دولة إلى العلاقات و الروابط التي تتم بين الأشخاص , و تصنفها بأنها وطنية او أجنبية, و بالتالي لا تحتاج او تحتاج الى قواعد القانون الدولي الخاص, انطلاقا من نشاتها او نفاذها داخل او خارج حدودها, فالعلاقة او الرابطة القانونية تكون أجنبية اذا تمت داخل الحدود السياسية لدولة اخرى, او كان محلها او موضوعها موجودا في إقليم دولة أجنبية, او حدث الفعل الضار في ذلك الإقليم.
و ظاهرة الحدود السياسية التي تفصل بين مختلف الدول هي التي تقف كذلك وراء وجود فكرة الجنسية اللازمة لتحديد شعب الدولة و تمييزه عن شعوب الدول الأخرى, كما تقف وراء التمييز في المعاملة و في تمتع بالحقوق و الواجبات بين الوطني و الأجنبي, كما تؤثر على أحكام الموطن الدولي,و إمكانية إقامة و توطن الشخص خارج دولته, وكل تلك المسائل من صميم موضوعات القانون الدولي الخاص.
ظاهرة الحدود السياسية كذلك ليس لها وجود في التعامل عبر شبكة المعلومات الدولية الانترنت, فنظام تلك الشبكة يغض النظر عن الحدود السياسية او الجغرافية, و أضحى المكان و الأقاليم الجغرافي و القواعد الوطنية غير ذي أهمية.[4]
وقد نشا مع وجود و نمو شبكة المعلومات الدولية الانترنت مجتمع فضائي مصطنع مقسم الى شبكات او مناطق إلكترونية اكثر منه إلى دول او أقاليم كما هو الحال في المجتمع الحقيقي الواقعي القائم على اقاليم برية ومائية, و هو عالم يعج بأجهزة الحاسب الآلي و الكوابل التليفونية و الألياف الضوئية و البرامج و هذا الفضاء الافتراضي متصل و يبدوا و كأنه يعلوا الأقاليم الجغرافية لكل الدول.
ان قواعد واحكام القانون الدولي الخاص المتعلقة بتحديد القانون الواجب التطبيق, او المحكمة المختصة دوليا و التي تتكلم عن قانون او محكمة المكان الذي يوجد فيه محل العقد,او الذي يتوطن فيه البائع او المستهلك او يقدم فيه المدين الأداء المميز, او الذي توجد معه اكثر الروابط وثوقا...تضحى قواعد غير ذات مفعول و يتعذر اعمالها.
ان مناهج القانون الدولي الخاص التي تقوم على مرتكزات مكانية و جغرافية لا تتلاءم مع طبيعة المعاملات و العمليات التي تتم عبر شبكة الانترنت.
- المطلب الثاني : قصور مناهج القانون الدولي الخاص عن ضبط الانترنت
لا يستغرب أحد من قصور مناهج القانون الدولي الخاص عن ضبط وتنظيم محتويات الإنترنت ، وكذلك المعاملات التي تتم عبر هذه الشبكة ، حيث يبدو جليا فشل السيطرة الإقليمية على البيانات و الأرقام المتداولة ، وبالتالي عدم ملائمة ضوابط الإسناد المعروفة في القانون الدولي الخاص ، و التي تقود إلى تطبيق قواعد قانونية داخلية على عمليات بطبيعتها عابرة للحدود ، أو كما يقال عمليات كونية كوكبية opérations planétaires ، وهي ضوابط لم توضع إلا من أجل عالم ماديmonde matériel ، في حين أن المعاملات عبر شبكة الإنترنت تقود إلى عالم افتراضي قوامه الأرقام و الكيانات المنطقيةles logicielles .[5]
و يتضح لنا ذلك بجلاء من خلال قضيتين جد هامتين ، قضية ''ياهو YAHOO'' (أولا) حيث نتساءل عن مدى إمكانية مساس المعلومات المنشورة على صفحات الانترنت بسيادة الدول و بنظامها العام . بينما